عبد الفتاح عبد المقصود
64
في نور محمد فاطمه الزهراء
وجودها عدم ، حركاتها سكون ، وبينها وبينه ستار كثيف من الوجوم « 1 » . * * * لبضع لحظات يخالها المترقّب عمراً ، سربلهما « 2 » الخمود ، لاحا كهيئتين من فراغ موهوم ، كشبحين بغير كتلة ، ولا عمق ، ولا أبعاد ، كجمرتين هامدتين ، أُفرغتا من الحرارة والوهج واللهيب ، فاستحالتا كومتين من رماد . وثقل الهواء ، وجمد الفراغ ، وأمعن الصمت في الصمت . وعندما اهتزّ أخيراً ستار السكون ، وآن للشيخ أن يمدّ إلى الكاهنة طرفه ، بدت عيناه - من فرط القلق - قطرتين من الزئبق . على تلك الجاثمة عند قدميه ، ألقى نظراتٍ عجلى حائرة ، يتجمّع شعاعها ويتفرّق ، ويضطرب وينتكث « 3 » كحبالة صيادٍ رمى بها في تيه يمٍّ « 4 » فوّار هادر لاقتناص فريسة . يا ترى أقَد لسع المرأة من وقد عينيه لسان نار ؟ أم هي تحرّرت من أسار الذهول ؟ أم آب وعيها من رحلته في المجهول ؟ إنّها لتنفض عن لسانها الخرس ، لتقول : « لئن صدقت رؤياك هذه ، يا عبد المطلب ، ليخرجنّ من صلبك مولود يتبعه أهل المشرق والمغرب ! ويحمده أهل السماوات والأرض ! . . » . * * * طفر الشيخ يستوى على قدميه ، وراح يوسّع خطواته إلى دياره ، وهو يبارح صومعة الكهانة والسحر والأسرار .
--> ( 1 ) . الوجوم : السكوت مع ترقّب وخوف . ( 2 ) . تسربل : لبس السربال ، وهو القميص أو كلّ ما يلبس . ( 3 ) . ينتكث : ينتقض ويتفرّق . ( 4 ) . اليمّ : البحر .